مرتضى الزبيدي
208
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
يقنع بعلم اللّه إلا من لا يخاف إلا اللّه ولا يرجو إلا اللّه ، فأما من خاف غيره وارتجاه اشتهى اطلاعه على محاسن أحواله ، فإن كان في هذه الرتبة فليلزم قلبه كراهة ذلك من جهة العقل والإيمان لما فيه من خطر التعرض للمقت ، وليراقب نفسه عند الطاعات العظيمة الشاقة التي لا يقدر عليها غيره ، فإن النفس عند ذلك تكاد تغلي حرصا على الإفشاء وتقول : مثل هذا العمل العظيم أو الخوف العظيم أو البكاء العظيم لو عرفه الخلق منك لسجدوا لك ! فما في الخلق من يقدر على مثله ، فكيف ترضى بإخفائه فيجهل الناس محلك وينكرون قدرك ويحرمون الاقتداء بك ؟ ففي مثل هذا الأمر ينبغي أن يثبت قدمه ، ويتذكر في مقابلة عظم عمله عظم ملك الآخرة ونعيم الجنة ودوامه أبد الآباد ، وعظم غضب اللّه ومقته على من طلب بطاعته ثوابا من عباده ، ويعلم أن إظهاره لغيره محبب إليه وسقوط عند اللّه وإحباط للعمل العظيم فيقول : وكيف أتبع مثل هذا العمل بحمد الخلق وهم عاجزون لا يقدرون لي على رزق ولا أجل ؟ فيلزم ذلك قلبه ولا ينبغي أن ييأس عنه فيقول : إنما يقدر على الإخلاص الأقوياء ، فأما المخلطون فليس ذلك من